المقالات

الذهب يصبح أكبر أصل احتياطي في العالم: ماذا كتب البنك المركزي الأوروبي في الواقع

أخبار28 يوليو 2026

في مطلع يونيو، أصدر البنك المركزي الأوروبي تقريره السنوي حول الدور الدولي لليورو — وهي وثيقة يقرؤها عادة نحو ثلاثمائة متخصص حول العالم. لكن هذه المرة انتشر جدول منها في وسائل الإعلام المالية تحت عناوين تعلن نهاية عصر الدولار.

بقلم: Dan Vastrik، 28 يوليو 2026

في مطلع شهر يونيو، أصدر البنك المركزي الأوروبي (ECB) تقريره السنوي عن الدور الدولي لليورو — وهي وثيقة لا يطّلع عليها في العادة سوى نحو ثلاثمائة شخص حول العالم. لكن في هذه المرة، انتشر جدول وحيد مأخوذ من التقرير في مختلف وسائل الإعلام المالية بعناوين صاخبة تبشر بنهاية عصر هيمنة الدولار.

الأساس الإحصائي لهذا الحدث حقيقي بالفعل. فوفقاً لحسابات البنك المركزي الأوروبي، وصلت حصة الذهب في الاحتياطيات الرسمية العالمية مع نهاية عام 2025 إلى 27% — متجاوزة حصة اليورو (15%) وحصة سندات الخزانة الأمريكية (22%). ولأول مرة منذ عقود طويلة، بات الذهب أكبر أصل منفرد في الميزانيات العمومية للبنوك المركزية حول العالم.

ولكن انطلاقاً من هذه النقطة بالتحديد، ينبغي الرجوع إلى نص التقرير الأصلي عوضاً عن الاكتفاء بالملخصات الصحفية. إذ تسببت تلك التغطيات في تشويه أمرين جوهريين: فنصف الأرقام المتداولة كان مختلقاً بالكامل، بينما جرى استبعاد التفسير الرئيسي الذي قدمه المركزي الأوروبي نفسه.

ما لا يوجد في تقرير المركزي الأوروبي

تداولت شبكات الأخبار مقارنة ملفتة تقول: «4.5 تريليون دولار في الذهب مقابل 3.5 تريليون في السندات الأمريكية». لا وجود لأي من هذين الرقمين في وثيقة المركزي الأوروبي؛ فالتقرير لا يذكر إطلاقاً مبالغ إجمالية مقومة بالدولار لهذه المقارنة، بل يعتمد حصرياً على النسب المئوية.

والدليل غير المباشر على أن هذه الأرقام لم تؤخذ من المصدر الأصلي هو اختلافها الشديد من وسيلة إعلام لأخرى؛ فتجد ثنائيات مثل «4 مقابل 3.9»، و«4.5 مقابل 3.5»، و«5.2 مقابل 3.7». وعندما تظهر المعلومة المزعومة بخمس صيغ مختلفة لدى خمسة كتاب، فهي ليست حقيقة مثبتة بل مجرد تخمين.

ويمكن لأي باحث حساب التقديرات التقريبية بنفسه، شريطة تسميتها بأمانة كتقدير خاص. تمتلك البنوك المركزية قرابة 36.5 إلى 36.7 ألف طن من الذهب (وفق بيانات مجلس الذهب العالمي WGC لنهاية 2025). وبأسعار أواخر 2025، تعادل هذه الكمية نحو 5.1 إلى 5.2 تريليون دولار، وبأسعار منتصف يوليو 2026 تعادل نحو 4.7 تريليون دولار. في المقابل، تبلغ سندات الخزانة الأمريكية بحوزة الجهات الرسمية الأجنبية حوالي 3.9 تريليون دولار (وفق حسابات خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي CRS بالاستناد لبيانات الخزانة في ديسمبر 2025).

الأمر الثاني غير الموجود في التقرير هو عبارة «لأول مرة منذ عام 1996»؛ إذ أضافها الصحفيون كإطار زمني من عندهم، ولا يرد هذا العام إطلاقاً في وثيقة المركزي الأوروبي.

والأمر الثالث الذي يجب توضيحه بصراحة: عنوان «الذهب يتجاوز الدولار» غير صحيح. فالذهب تفوق على فئة أصول محددة هي سندات الخزانة الأمريكية (Treasuries). أما حصة الدولار كعملة في الاحتياطيات النقدية العالمية فبلغت 57.13% وفق بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) للربع الأول من 2026، ولا تزال مهيمنة بثبات. فسندات الخزانة تمثل جزءاً فقط من الاحتياطيات الدولارية إلى جانب الودائع المصرفية وأوراق الوكالات الحكومية.

التنبيه الجوهري الذي أغفله الجميع

والآن إلى صلب القضية وسبب كتابة هذا المقال. يشرح المركزي الأوروبي في القسم ذاته بوضوح كيف حدثت هذه المفاضلة. وهذا الشرح يفرغ معظم العناوين الرنانة من مضمونها.

لقد ارتفعت حصة الذهب بشكل شبه كامل نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الذهب نفسه: بارتفاع 30% في عام 2024 و60% في عام 2025. فالأطنان الفعلية في الخزائن كانت تنمو بوتيرة أبطأ بكثير من وتيرة نمو قيمتها المقومة بالدولار.

ويقدم المركزي الأوروبي عملية حسابية افتراضية للمراقبة: فلو أخذنا الاحتياطيات المادية نفسها تماماً وقيمنا الذهب بأسعار نهاية عام 2023، لكان المشهد مختلفاً كلياً — الذهب عند 16%، واليورو عند 16%، بينما تتربع سندات الخزانة الأمريكية بثقة في المرتبة الأولى بنسبة 26%.

وبعبارة أخرى، لم تشهد الأسواق أي بيع جماعي للديون الأمريكية لصالح شراء الذهب، بل ما حدث هو إعادة تقييم محاسبية للقيمة السوقية. البنوك المركزية لم تهرب من السندات، بل ببساطة أصبح الأصل الذي تملكه وتخزنه بالفعل أعلى قيمة بكثير في السوق.

وهذه الحقيقة تبدو أقل إثارة من الادعاء بأن «البنوك المركزية نفذت أكبر عملية هروب مالي في 30 عاماً»، لكنها هي الحقيقة المسجلة في النص الأصلي.

ما الذي يحدث فعلياً في المقابل

ما ذُكر أعلاه لا يعني غياب عمليات الشراء؛ فهي قائمة ومستمرة، إلا أن مساهمتها في تعديل الحصص كانت أقل بكثير مقارنة بأثر ارتفاع الأسعار.

  • في الربع الأول من عام 2026، اشترت البنوك المركزية 244 طناً — بزيادة 17% عن الربع السابق، وبمستوى يفوق متوسط السنوات الخمس الماضية.
  • في أبريل، أضاف القطاع الرسمي 19 طناً، وتبعها 41 طناً في مايو.
  • واصل بنك الشعب الصيني (PBoC) الشراء في يونيو للشهر العشرين على التوالي، مسجلاً أطول سلسلة شراء متواصلة في تاريخ البيانات. وتصل احتياطيات الصين إلى 2,346 طناً، ما يشكل نحو 8% من إجمالي أصولها الأجنبية.
  • رفع البنك الوطني البولندي (NBP) حيازاته إلى 632.4 طن بنهاية يونيو، بعد إضافة 18.5 طن خلال الشهر. والوصول إلى مستهدف 700 طن ليس تكهناً، بل قرار رسمي لمجلس إدارة البنك صادر في 20 يناير 2026 وجرى تأكيده علناً من قِبل محافظ البنك في 9 يوليو.
  • عادت سنغافورة لقائمة المشترين للمرة الأولى منذ سبتمبر 2025: بإضافة +4 أطنان ليرتفع رصيدها إلى 197 طناً.

لا يعد أي من هذه الأرقام قياسياً بمفرده، غير أنها بتراكمها عاماً بعد عام تشكل القاعدة الصلبة التي تُعيد أسعار السوق تقييمها صعوداً.

رؤيتان للاحتياطيات نفسها تماماً

الحصة في الاحتياطيات الرسمية العالميةكما هي مسجلة (نهاية 2025)بأسعار نهاية عام 2023
الذهب27%16%
سندات الخزانة الأمريكية22%26%
اليورو15%16%

المصدر: البنك المركزي الأوروبي، تقرير The international role of the euro، يونيو 2026. يمثل العمود الثاني التقييم المضاد للمراقبة الذي أجراه المركزي الأوروبي.

ماذا عن مستثمري التجزئة؟

هنا ينبغي تصحيح رواية شائعة أخرى تزعم أن: «الجمهور يتخلص من الذهب الورقي بينما تجمع البنوك المركزية كل الذهب المادي».

في يونيو 2026، شهدت صناديق المؤشرات المتداولة المدعومة بالذهب (ETFs) بالفعل تدفقات خارجة بقيمة 8.9 مليار دولار — ليتراجع إجمالي ما تحوزه من 4,121 إلى 4,047 طناً. وشهدت أمريكا الشمالية أكبر تخارج (−5.5 مليار)، بينما فقدت آسيا 2.3 مليار وأوروبا 818 مليوناً.

لكن ذلك اقتصر على شهر واحد فقط. فعلى صعيد النصف الأول من العام بأكمله، كانت التدفقات نحو هذه الصناديق إيجابية: بارتفاع 8 مليارات دولار. وسجلت آسيا رقماً قياسياً غير مسبوق بتدفقات بلغت 12 مليار دولار خلال ستة أشهر. ولم تسجل سوى أمريكا الشمالية حصيلة سالبة (−7.7 مليار دولار، في أسوأ أداء نصف سنوي منذ عام 2013).

لذا فإن القول بأن «الأفراد يهربون من الذهب» لا ينطبق إلا على شهر يونيو بعينه وعلى منطقة جغرافية واحدة. أما على المدى النصف سنوي، فالواقع معاكس تماماً.

المحركات الأساسية

ما دفع حصة الذهب للصعود فعلياً في الاحتياطيات:

  1. السعر — العامل الأكبر. ارتفاع بنسبة 30% في 2024 و60% في 2025 رفع تقييم الأطنان الموجودة أساساً في الخزائن.
  2. المشتريات المنهجية — مساهمتها أصغر حجماً لكنها منتظمة: فالقطاع الرسمي يشتري ذهباً أكثر مما يبيع منذ خمسة عشر عاماً متتالية.
  3. انعدام مخاطر الجهة المصدرة — الذهب ليس التزاماً على طرف مقابل يمكن أن يتعثر أو يجمد الأصل أو يغير الشروط من طرف واحد.
  4. توسع قاعدة المشترين — بولندا، كازاخستان، التشيك، سنغافورة، الصين: دول ذات توجهات جيوسياسية شديدة التنوع وعلاقات متباينة مع الدولار.

الخلاصة

عنوان «الذهب أصبح أكبر أصل احتياطي في العالم» صحيح تماماً. لكن كل ما يُنسج حوله من إثارة مبالغ فيها يفتقر للدقة.

لم يكن هناك هروب جماعي من الديون الأمريكية: فحسب حسابات المركزي الأوروبي نفسه، لولا صعود سعر الذهب لبقيت سندات الخزانة في الصدارة. كذلك فإن الأرقام بالتريليونات لم تكن مذكورة في الوثيقة — بل صاغها المعلقون. كما لم يكتب أحد في المركزي الأوروبي عبارة «لأول مرة منذ عام 1996».

وما يتبقى بعد تنقية المشهد من الصخب يظل حدثاً تاريخياً بامتياز. فقد ارتفعت قيمة أصل لا تصدره أي جهة إلى الحد الذي أعاد معه تشكيل تركيبة الاحتياطيات الدولية — والبنوك المركزية، التي كانت تملك فرصة جني الأرباح والتراجع جانباً، تواصل الشراء. للعام الخامس عشر على التوالي.

ولأولئك الذين يرون في الذهب وسيلة للحفاظ على الثروة بدلاً من المضاربة السريعة، فإن هذا الواقع المستمر أكثر أهمية بكثير من عناوين الأخبار العابرة.

هذه المادة لأغراض تعليمية وإعلامية وليست توصية استثمارية. أسعار الذهب تتغير صعوداً وهبوطاً؛ والنتائج السابقة لا تضمن الأداء في المستقبل.

بإيجاز: الأسئلة الشائعة

هل تفوق الذهب حقاً على السندات الأمريكية في احتياطيات البنوك المركزية؟ نعم. وفقاً لبيانات البنك المركزي الأوروبي، بلغت حصة الذهب في الاحتياطيات الرسمية العالمية 27% بنهاية عام 2025 مقابل 22% لسندات الخزانة الأمريكية و15% لليورو.

هل يعني هذا أن البنوك المركزية تتخلص من الديون الأمريكية؟ كلا. يوضح المركزي الأوروبي صراحة أن نمو حصة الذهب نتج بشكل رئيسي عن صعود أسعار المعدن (+30% في 2024، و+60% في 2025). وبأسعار نهاية 2023 كانت حصة الذهب ستبلغ 16% مقابل 26% للسندات الأمريكية في المرتبة الأولى.

من أين جاءت أرقام «4.5 تريليون مقابل 3.5 تريليون»؟ ليس من تقرير المركزي الأوروبي — فهو يقتصر على النسب المئوية. وإنما أضافت جهات إعلامية ثانوية هذه التقديرات الدولارية مع اختلافات واضحة بينها. وتفيد الحسابات المستقلة بأن ذهب البنوك المركزية بلغت قيمته نحو 4.7 تريليون دولار في منتصف يوليو 2026 مقابل نحو 3.9 تريليون دولار من السندات لدى الجهات الرسمية الأجنبية.

هل تفوق الذهب على الدولار الأمريكي؟ كلا. المقارنة تنطبق تحديداً على سندات الخزانة الأمريكية كفئة أصول. أما حصة الدولار في الاحتياطيات النقدية العالمية فبلغت 57.13% حسب بيانات صندوق النقد الدولي للربع الأول من 2026.

ما حجم مشتريات البنوك المركزية من الذهب في عام 2026؟ 244 طناً في الربع الأول، و19 طناً في أبريل، و41 طناً في مايو وفق بيانات مجلس الذهب العالمي. وتُنشر البيانات المجمعة لشهر يونيو بتأخير يقارب شهراً واحداً.

المصادر

  • البنك المركزي الأوروبي. تقرير The international role of the euro، يونيو 2026 — حصص الذهب واليورو وسندات الخزانة في الاحتياطيات العالمية؛ والتقييم المقارن بأسعار نهاية 2023.
  • مجلس الذهب العالمي (WGC / Goldhub). تقرير Gold Demand Trends Q1 2026 وإحصاءات Central bank gold statistics (يونيو ويوليو 2026) — مشتريات القطاع الرسمي وبيانات الصين وبولندا وسنغافورة.
  • مجلس الذهب العالمي (WGC / Goldhub). تقرير Gold ETFs: holdings and flows، يونيو 2026 — حركة تدفقات الصناديق الاستثمارية حسب المناطق.
  • صندوق النقد الدولي (IMF). قاعدة بيانات COFER، الربع الأول من عام 2026 — التوزيع النقدي للاحتياطيات العالمية.
  • خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي (CRS). تقرير Foreign Holdings of Federal Debt (RS22331)، بالاستناد لبيانات الخزانة الأمريكية لشهر ديسمبر 2025 — السندات بحوزة الجهات الرسمية الأجنبية.
  • LBMA. الأسعار الرسمية لتثبيت الذهب — تقييم القيمة السوقية للاحتياطيات كما في يوليو 2026.